ابن حمدون
418
التذكرة الحمدونية
سنامها وأطاييها وكبدها ، فيقلبها على الجمر فيأكل ويأكلن معه ، ويشرب من ركوة كانت معه ، ويغنيهنّ وينبذ إليهنّ وإلى العبيد والخدم من الكباب حتى شبعن وطربن . فلما أراد الرحيل قالت إحداهنّ : أنا أحمل طنفسته ، وقالت الأخرى : أنا أحمل رحله ، وقالت الأخرى : عليّ حشيته وأنساعه . فتقاسمن رحله ، وبقيت عنيزة فلم يحمّلها شيئا ، فقال لها امرؤ القيس : يا ابنة الكرام لا بدّ أن تحمليني معك فإني لا أطيق المشي وليس من عادتي ؛ فحملته على غارب بعيرها ، وكان يدخل رأسه في خدرها فيقبّلها فإذا امتنعت مال حدجها فتقول : يا امرأ القيس عقرت بعيري فانزل ، فذلك قوله : [ من الطويل ] تقول وقد مال الغبيط بنا معا عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل فلما فرغ الفرزدق من حديثه ، قالت تلك الماجنة : قاتلك اللَّه فما أحسن حديثك وأطرفك فمن أنت ؟ قلت : من مضر ، قالت : فمن أيها ؟ قلت : من تميم ، قالت : فمن أيها ؟ قال : إلى ها هنا انتهى جوابي ، قالت : إخالك الفرزدق ، قلت : الفرزدق شاعر وأنا راوية ، قالت : دعنا من توريتك عن نفسك ، أسألك باللَّه : أنت هو ؟ قلت : أنا هو واللَّه ، قالت : فإن كنت أنت هو فلا أحسبك تفارق ثيابنا إلا عن رضى . قلت : أجل ، قالت : فاصرف وجهك عن وجهنا ساعة ، وهمست إلى صواحباتها بشيء لم أفهمه ، فانعطفن من الماء فتوارين وأبدين رؤوسهن وخرجن ومع كل واحدة منهنّ ملء كفّها طينا ، وجعلن يتعادين نحوي ويضربن بذلك الطين والحمأة وجهي وثيابي وملأن عيني ، ووقعت على وجهي مشغولا بعينيّ وما فيهما ، وشددن على ثيابهنّ فأخذنها ، وركبت تلك الماجنة بغلتي وتركتني متخبّطا بأسوأ حال وأخزاها ، ويقلن : زعم الفتى أنه لا بدّ له أن ينيكنا . فما زلت في ذلك المكان حتى غسلت وجهي وثيابي وجففتها وانصرفت عند مجيء الظلام إلى منزلي على قدميّ ، وبغلتي قد وجّهن بها إلى منزلي مع رسول وقلن له : قل له يقلن لك أخواتك : طلبت منا ما لا